محمد بن عبد المنعم الحميري
29
الروض المعطار في خبر الأقطار
تفت فؤادك الأيام فتا * وتنحت جسمك الساعات نحتا وهي طويلة جداً ، وهو القائل : من ليس بالباكي ولا المتباكي * لقبيح ما يأتي فليس بزاك القصيدة بطولها ، وهو القائل : ما أميل النفس إلى الباطل * وأهون الدنيا على العاقل آه لسر صنته لم أجد * خلقاً له قط بمستأهل هل يقظ يسألني علني * أكشفه لليقظ السائل لو شغل المرء بتركيبه * كان به في شغل شاغل وعاين الحكمة مجموعة * ماثلة في هيكل ماثل يا أيها الغافل عن نفسه * ويك أفق من سنة الغافل وبساحل إلبيرة كان نزول الأمير عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الداخل إلى الأندلس حين عبوره إليها . أليس : على صلب الفرات ، فتحها خالد بن الوليد رضي الله عنه ، قالوا : لما أصاب خالد من أصاب يوم الولجة من بكر بن وائل الذين أعانوا أهل فارس غضب لهم قومهم فكاتبوا الأعاجم وكاتبهم الأعاجم ، فاجتمعوا إلى أليس وعليهم عبد الأسود العجلي ، وكتب ازدشير إلى بهمن أن سر حتى تقدم أليس بجيشك إلى من اجتمع بها من فارس ونصارى العرب ، فقدم بهمن أمامه جابان وأمره بالحث وقال له : كفكف نفسك وجندك عن قتال القوم حتى ألحق بك إلا أن يعجلوك ، فسار جابان إلى أليس وانطلق بهمن إلى ازدشير ليستأمره فيما يريد ، ومضى جابان حتى انتهى إلى أليس فنزل بها واجتمعت إليه المسالح التي كانت بإزاء العرب وعبد الأسود في نصارى بني عجل ، فنهد إليهم خالد وليست له همة إلا من تجمع لهم من عرب الضاحية ونصاراهم ، ولما طلع على أليس قالت الأعاجم لجابان : أنعاجلهم أو نغدي الناس ولا نريهم أنا نحفل بهم ثم نقاتلهم بعد الفراغ ؟ فقال جابان : إن تركوكم والتهاون بهم فتهاونوا ولكن ظني أن سيعاجلوكم ويعجلوكم عن طعامكم ، فعصوه ، وبسطوا البسط ووضعوا الأطعمة ، فلما وضعت توجه خالد إليهم ، ووكل خالد بنفسه حوامي تحمي ظهره ، ثم برز أمام الناس فنادى أين أبجر أين عبد الأسود ، أين مالك بن قيس ؟ فنكلوا عنه جميعاً إلا مالكاً ، فبرز له ، فقال له خالد : يا ابن الخبيثة ما جرأك علي من بينهم وليس فيك وفاء ، وضربه فقتله ، وأجهض الأعاجم عن طعامهم قبل أن يأكلوه ، فقال لهم جابان : ألم أقل لكم يا قوم ، والله ما دخلتني من رئيس وحشة قط حتى كان اليوم ، فقالوا تجلداً حيث لم يقدروا على الأكل : ندعها حتى نفرغ منهم ثم نعود إليها ، فقال جابان : وإنما أظنكم والله لهم وضعتموها وأنتم لا تشعرون فالآن فأطيعوني وسموها ، فإن كانت لنا فأهون هالك ، وإن كانت علينا كنا قد صنعنا شيئاً وأبلينا عذراً ، فقالوا : لا إلا اقتداراً عليهم ، فاقتتلوا قتالاً شديداً ، والمشركون يزيدهم كلباً وشدة ما يتوقعون من قدوم بهمن ، فصابروا المسلمين للذي في علم الله تعالى أن يصيرهم إليه ، وحرب المسلمون عليهم ، وقال خالد رضي الله عنه : اللهم لك إن منحتنا أكتافهم ألا أستبقي منهم أحداً قدرنا عليه حتى أجري نهرهم بدمائهم ، ثم إن الله تعالى كشفهم للمسلمين ومنحهم أكتافهم ، فأمر خالد رضي الله عنه مناديه فنادى في الناس : الأسر ، الأسر ، لا تقتلوا إلا من امتنع . وأقبلت الخيول بهم أفواجاً مستأسرين يساقون سوقاً ، وقد وكل بهم خالد رضي الله عنه رجالاً يضربون أعناقهم في النهر ، ففعل ذلك بهم يوماً وليلة ، وطلبوهم الغد وبعد الغد حتى انتهوا بهم إلى النهر فضرب على النهر أعناقهم ، وكانت على النهر أرحاء فطحنت بالماء وهو أحمر قوت العسكر ثلاثة أيام ، وهو ثمانية عشر ألفاً ويزيدون ، ولما رجع المسلمون من طلبهم ودخلوا عسكرهم وقف خالد رضي الله عنه على الطعام الذي كان المشركون قدموه لغدائهم فأعجلوا عنه ، فقال للمسلمين : قد نفلتكموه فهو لكم ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على طعام مصنوع نفله ، فقعد الناس على ذلك الطعام لعشائهم بالليل وجعل من لا يرد الأرياف ولا يعرف الرقاق يقول : ما هذه الرقاق البيض ؟ وجعل من قد عرفها يجيبهم ويقول لهم مازحاً : هل سمعتم برقيق العيش ؟ فيقولون : نعم ، فيقولون : هذا هو فسمي الرقاق .